السيد محمد تقي المدرسي
74
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
وبالرغم من إن العلوم الاجتماعية الحديثة ، لم تعد وفية بالكامل لمدرسة « دوركايم » وحتى للمنطق الوضعي الذي اعتمدت عليه ، الّا انها لا تزال تخدم تلك المدرسة وتأخذ منها الكثير . ونحن نحترم - بدورنا - النقاط المضيئة في هذه المدرسة وابرزها ردّ التطرف الذاتي في القيم ، ومناقشة المدرسة التجريبية والمثالية ، وبيان جوانب الضعف فيها . ومن ثم اثبات الجانب الاجتماعي للقيم ، واخضاع هذا الجانب للتجربة الموضوعية ، مما أدى إلى اكتشاف طائفة من القوانين الاجتماعية الهامة . ثانيا : مشكلة المدارس الفلسفية ، انها حين تتقدم في سلسلة البراهين التي تقيمها ، تصل بالتالي إلى حيث تعتمد على الوجدان ، حيث تدّعي جميعاً ان أساس براهينها قائم على امر وجداني يعرفه الانسان بالبديهية ولكنها لا تعتمد على هذه البديهة منذ البداية وتتّهم من يعتمدها بالسذاجة ، أو بعدم العلمية ، علماً بأن البديهة ( أو الوجدان أو العلم الذي لا دليل عليه الا العقل ) هي أساس كل معرفة ولا يمكن مناقشة مدعيها بأي برهان ، ما دام كل برهان يعود اليه بالتالي . وفيما يتصل بنظرية « دوركايم » نرى انه يعتقد ان الروح الجمعية أصل القيم ويسوق أدلة سوف نناقشها ونبّين مدى صحتها . ولكنه لم يطرح على نفسه السؤال التالي : لماذا يعيش البشر بصورة جمعية ، وما هذه الروح الاجتماعية الموجودة في كل فرد فرد من المجتمع ؟ ، وكيف ولماذا يهيمن المجتمع على سلوك الانسان ؟ أليست قيم الانسان تدفعه لكي يعيش مع المجتمع ، وانه من دون وجود المثل الاعلى عند الانسان ، لكان الانسان يعيش فردياً فماذا يجيب دوركايم عن ذلك ؟ انه في الواقع قام بقلب الحقيقة تماماً ، ونظر إليها بصورة مقلوبة فانتهى إلى حيث انتهى اليه ، انه زعم أن غليان الماء في القدر الموضوع فوق النار هو سبب حرارة النار مع أن الحقيقة عكس ذلك تماماً . وليس الناس سواء في التسليم للمجتمع ، فمنهم يخضع له أكثر من غيره ، والتجربة الموضوعية تدل على ذلك وقد أضحى ذلك ليس فقط علمية في أكثر من